محمد بن جرير الطبري
114
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في إثر الصلوات كلها . وقال الحرث في حديثه في دبر الصلاة كلها . وقال آخرون : هي النوافل في أدبار المكتوبات الصلاة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَأَدْبارَ السُّجُودِ الصلاة : النوافل . وأولى الأقوال في ذلك بالصحة ، قول من قال : هما الركعتان بعد المغرب ، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك ، ولولا ما ذكرت من إجماعها عليه ، لرأيت أن القول في ذلك ما قاله ابن زيد ، لأن الله جل ثناؤة لم يخصص بذلك صلاة دون صلاة ، بل عم أدبار الصلوات كلها ، فقال : وأدبار السجود ، ولم تقم بأنه معني به : دبر صلاة دون صلاة ، حجة يجب التسليم لها من خبر ولا عقل . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَأَدْبارَ السُّجُودِ فقرأته عامة قراء الحجاز والكوفة ، سوى عاصم والكسائي " وإدبار السجود " بكسر الألف ، على أنه مصدر أدبر يدبر إدبارا . وقرأه عاصم والكسائي وأبو عمرو وَأَدْبارَ بفتح الألف على مذهب جمع دبر وأدبار . والصواب عندي الفتح على جمع دبر . القول في تأويل قوله تعالى : وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ . . . الْخُرُوجِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واستمع يا محمد صيحة يوم القيامة ، يوم ينادي بها منادينا من موضع قريب . وذكر أنه ينادي بها من صخرة بيت المقدس . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، عن سعيد بن بشر ، عن قتادة ، عن كعب ، قال : وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ قال ملك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي : أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة ؛ إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء . حدثنا بشر ؛ قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ؛ عن قتادة وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ قال : كنا نحدث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة ، وهي أوسط الأرض . وحدثنا أن كعبا قال : هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ قال : بلغني أنه ينادي من الصخرة التي في بيت المقدس . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ قال : هي الصيحة . حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : ثني بعض أصحابنا ، عن الأغر ، عن مسلم بن حيان ، عن ابن بريدة ، عن أبيه بريده ، قال : ملك قائم على صخرة بيت المقدس ، واضع أصبعيه في أذنيه ينادي ، قال : قلت : بماذا ينادي ؟ قال : يقول يا أيها الناس هلموا إلى الحساب ؛ قال : فيقبلون كما قال الله كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ وقوله : يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ يقول تعالى ذكره : يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من القبور بالحق ، يعني بالأمر بالإجابة لله إلى موقف الحساب . وقوله : ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ يقول تعالى ذكره . يوم خروج أهل القبور من قبورهم . القول في تأويل قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يَوْمَ . . . عَلَيْنا يَسِيرٌ يقول تعالى ذكره : إنا نحن نحيي الموتى ونميت الأحياء ، وإلينا مصير جميعهم يوم القيامة . يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً يقول جل ثناؤه وإلينا مصيرهم يوم تشقق الأرض ، فاليوم من صلة مصير . وقوله : تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ يقول : تصدع الأرض عنهم . وقوله سِراعاً ونصبت سراعا على الحال من الهاء والميم في قوله عنهم . والمعنى : يوم تشقق الأرض عنهم فيخرجون منها سراعا ، فاكتفى بدلالة قوله : يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ على ذلك من ذكره . قوله : ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ يقول : جمعهم ذلك جمع في موقف الحساب ، علينا يسير سهل . القول في تأويل قوله تعالى : نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ . . . بِالْقُرْآنِ